om naser_64
05-23-2006, 01:39 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
من أجل تمييز الفاصلة، ومعرفتها صوتياً، علينا تتبع فواصل الآيات بالدقة والضبط، في تنقلها في القرآن عبر مسيرتها الإيقاعية.
قال إبراهيم بن عمر الجعبري (ت: 732 ه):
"لمعرفة الفواصل طريقان: توقيفي وقياسي. أما التوقيفي: فما ثبت أنه (ص) وقف عليه دائماً، تحققنا أنه فاصلة، وما وصله دائماً، تحققنا أنه ليس بفاصلة...
وأما القياسي فهو ما ألحق من المحتمل غير المنصوص بالمنصوص لمناسب، ولا محذور في ذلك، لأنه لا زيادة فيه ولا نقصان، والوقف على كل كلمة جائز، ووصل القرآن كله جائز، فاحتاج القياس إلى طريق تعرّفه، فنقول: فاصلة الآية كقرينة السجعة في النثر، وقافية البيت في الشعر، وما يذكر من عيوب القافية من اختلاف الحد والإشباع والتوجيه فليس بعيب في الفاصلة، وجاز الانتقال في الفاصلة، والقرينة، وقافية الأرجوزة بخلاف قافية القصيدة".
ومن هنا كان التنقل في فواصل القرآن، إذ لا يلتزم فيها الوقوف عند حرف معين في مواضع من السور، ويلتزمه في مواضع أخر، ويجمع بين الالتزام وعدمه في بعض السور، لأن الانتقال من الوقوف على حرف إلى الوقوف على حرف آخر، أو صيغة تعبيرية أخرى في فواصل القرآن، أمر مطرد وشائع، ونماذجه هائلة، كما أن الالتزام شائع أيضاً، والجمع بينهما واردٌ كذلك، ومن هنا تبرز ثلاثة ملامح على سبيل المثال:
الأول: جمع القرآن بين "تحشرون" و "العقاب" وهما مختلفان في حرف الفاصلة والزنة في قوله تعالى:
(واعلموا أنَّ اللهَ يحولُ بينَ المرءِ وقلبهِ وأنَّهُ إليه تُحشرون، واتَّقٌوا فتنةً لا تُصيبنَّ الّذينَ ظَلَموا مِنكُم خآصةً واعلموا أنَّ اللهَ شديدُ العِقاب).
الثاني: الوقوف عند حرف معين لا يتغير في الفاصلة كما في سور عدّة، ونماذج متعددة، فمن أمثلته عادة جملة من السور القصار، كالقدر، والعصر، والفيل، والليل، والكوثر، والاخلاص، والناس، وجملة من السور الوسطى كالأعلى والقمر، وفيها جميعاً مراعاة للمنهج الصوتي، والبعد الإيقاعي، ويتجلى النغم الصوتي المتميز بأبهى صوره، وأروع مظاهره في سورة القمر، إذ تختتم فيها الفاصلة بصوت الراء مردداً بين طرف اللسان وأول اللهاة مما يلي الأسنان.
الثالث: الوقوف عند حرف معين للفاصلة في بعض السور، والانتقال منه للوقوف عند حرف آخر للفاصلة في بعضها الآخر، وأمثلته متوافرة في جملة من سور القرآن، كالنبأ، والمرسلات، والنازعات، والتكوير، والانفطار، والمطففين، وانظر إلى قوله تعالى في سورة "عبس" وهي تواكب صوت الهاء في فواصل عدة آيات، ثم تنتقل إلى الراء الملحقة بالتاء القصيرة بعدها في آيات أخر:
(يَومَ يَفرُّ المَرءُ مِن أخيهِ، وأُمهُ وأبيهِ، وصاحِبتِهِ وبَنيهِ، لِكُلِ امرىء مِنهُم يَومئذٍ شأنٌ يُغنيهِ، وُجُوهٌ يومئذٍ مّسفرةٌ، ضاحِكةٌ مستبشرةٌ، وَوُجوهٌ يومئذٍ عليها غَبرةٌ، تَرهَقُها قَترةٌ، أُولئكَ هُمُ الكَفَرةُ الفَجَرةُ).
وقد لا يراد الملحظ الصوتي مجرداً عند الابعاد الأخرى في فواصل الآيات، فقد يجتمع في الفاصلة الغرض الفني بجنب الغرض الديني، فتودي الفاصلة غرضين في عمل مزدوج، فمن أبرز الصور الاجتماعية الهادفة في سورة البلد: آيات العقبة، وتفصيلات يوم القيامة، في تجاوز مظاهر الغل والقيد، ومراحل الفقر والجوع ليتم تجاوز العقبة الحقيقية في القيامة، ولا يتم ذلك إلا بتجاوز عقبات الظلم الاجتماعي وتخطي مخلفات العهد الجاهلي، واقتحام القيم التي عطلت الحياة الإنسانية عن مسيرتها في التحرر والانطلاق، وهي قيم قاتلة، وأعراف بالية نشأت عن الطغيان المتسلط، والتفاوت الطبقي المقيت، فالرق ضارب بأطنابه، والاستئثار شكل مجاعة بشرية جماعية، والقطيعة في الأرحام أنهكت الأيتام، والغنى اللامشروع فجّر سيلاً من الأوضار الاجتماعية تشكل رعيلاً سادراً من الأرامل والأيامى والمساكين، ممن ألصقهم الفقر بالتراب، أو لصقوا هم به من الفقر والضر والفاقة، فأحال ألوانهم كلونه، فهم يلتحفون التراب ويفترشونه، ولا يجدون غيره، حتى عادوا جزءاً منه، وعاد هو جزءاً من كيانهم، فمن التراب وعلى التراب وإلى التراب.
هذا المناخ المزري عقبات متراكمة، من فوقها عقبات متراكمة، وإزالة هذه العقبات تدريجياً هو الطريق إلى قفز تلك العقبة الكبرى وتجاوزها، في حياة قوله تعالى: (فَلا أقتَحَمَ العقبةَ، وما أدراكَ ما العقبةُ، فَكُّ رقبةٍ، أو إطعامٌ في يومٍ ذي مَسغَبَة، يَتيماً ذا مقربةٍ، أو مسكيناً ذا متربةٍ).
ما هذا الإيقاع المجلجل؟ وما هذه النبرات الصوتية الرتيبة؟ وما هذا النسق المتوازن؟ العقبة، رقبة، مسغبة، مقربة، متربة، أصداء صوتية متلاحقة، في زنة متقاربة، زادها السكت رنةً وتأثيراً ولطف تناغم، وسط شدة هائلة مرعبة، وخيفة من حدث نازل متوقع، فالاقتحام في مصاعبه ومكابدته، والعقبة في حراجتها والتوائها ومخاطرها، يتعانقان في موضع واحد، يوحي بالرهبة والفزع.
وإرادة التأنيب والتعنيف مع الحض والترجيح والتحبيب، في صيغة النفي وتقريره، والاستفهام وتهويله، حافز وأي حافز على معالجة هذه المخاوف الاجتماعية السائدة، ودرء هذه المشاكل العالقة في المجتمعات المتخلفة: السغب، اليتم، المسكنة، إنها آفات متطاولة تنخر في بنية الجسم الإنساني فتهدمه، واقتحامها بحزم يتركها وراء الإنسان مسافات مترامية، وذلك ما يهيء السبيل إلى تجاوز العقبة المترقبة الوقوع، في كل معانيها البيانية: حقيقية كانت أو مجازية.
إن ورود هذه الآيات في نسق صوتي متجانس، وصيغة إصلاحية هادفة، يضفي على الفاصلة القرآنية، جمالها المعهود، وحسها الإيقاعي الهادر، دون تطلع إلى تعبير مماثل أو مغاير، فهي تمتلك النفس، وتأخذ بالإحساس في نظام رتيب؛ فالحرية أولاً، والعطاء المغني ثانياً، بدءاً بالأرحام، وعطفاً على الآخرين، وفيها أخذ بملحظ القرابة والرحم، وحث على تقديم ذوي القربى من المعوزين على الأباعد في فك القيود، وعتق الرقاب، والاطعام بإحسان.
ظواهر الملحظ الصوتي في فواصل الآيات:
الملحظ الصوتي في فواصل الآيات القرآنية قائم على عدة ظواهر، نرصد منها أربع ظواهر:
الأولى: وتتمثل بزيادة حرف ما في الفاصلة وعناية للبعد الصوتي، وعناية بنسق البيان في سر اعتداله، ليؤثر في النفس تأثيره الحسّاس، فتشرئبّ الأعناق، وتتطلع الأفئدة حين يتواصل النغم بالنغم، ويتلاحم الإيقاع بالإيقاع، وأبرز مظاهر هذه الظاهرة ألف الاطلاق إن صح التعبير بالنسبة للقرآن، فقد ألحقت الألف في جملة من الآيات بأواخر بعض كلماتها، وكان حقها الفتح مطلقاً، دون مدّ الفتحة حتى تكون ألفاً، وانظر معي في سورة واحدة، إلى كل من قوله تعالى، وكأن ذلك معنيٌ بحد ذاته ومقصود إليه لا ريب.
وقال تعالى: (وتَظُنُّونَ باللهِ الظُنونا).
وقال تعالى: (فأضَلُّونا السَّبيلا).
وقال تعالى: (وأطَعنا الرَّسُولا).
يبدو أن إلحاق هذه الألف في "الظنون" "السبيل" "الرسول" يشكل تلقائياً ظاهرة صوتية تدعو إلى التأمل، وإلا فما يضير الفتح لولا الملحظ الصوتي "لأن فواصل هذه السورة منقلبة عن تنوين في الوقف، فزيد على النون ألف لتساوي المقاطع، وتناسب نهايات الفواصل".
وما يقال هنا يقال فيما ورد بسورة القارعة في زيادة هاء السكت وإلحاقها في "هي" لتوافق الفاصلة الأولى الثانية في قوله تعالى: (وَمَآ أدراكَ ما هِية، نَارٌ حامِيةٌ).
وهيا إلى سورة الحاقة وانظر إلى هاء "السكت" في إضافتها وإنارتها في جملة من آياتها، فتقف خاشعاً مبهوراً، تمتلك هزة من الأعماق وأنت مأخوذ بهذا الوضع الموسيقي الحزين، المنبعث من أقصى الصدر وأواخر الحلق، فتتقطع الأنفاس، وتتهجد العواطف، واجمة، متفكرة، متطلعة، فتصافح المناخ النفسي المتفائل حيناً، والمتشائم حيناً آخر، وأنت فيما بينهما بحالة متأرجحة بين اليأس والرجاء، والأمل والفزع، والخشية والتوقع، فسبحان الله العظيم حيث يقول:
(يَومئذٍ تعُرَضَونَ لا تَخفَى مِنكُم خافيةٌ، فأمّا مَن أُوتيَ كتابَهُ بِيَمينهِ فَيقولُ هآؤُم اقرءُوا كِتَابيه، إنّي ظَنَنتُ أنّي مُلاقَ حِسابيه، فَهُو في عِيشةٍ راضيةٍ، في جنَّةٍ عاليةٍ، قُطُوفُها دانيةٌ، كُلُوا واشربوا هنيئاً بِمآ أسلَفتُم في الأيامِ الخاليةِ، وأمّا مَن أُوتيَ كِتابَهُ بشماله فَيَقولُ ياليتَني لَم أُوتَ كِتابيَه، وَلَم أَدرِ ما حِسابيَه، ياليتَها كانتِ القاضيةَ، مآ أَغنى عَني مَاليه، هَلَكَ عَني سُلطانيَه).
فأنت تلاحظ الفواصل: كتابيه، حسابيه، كتابيه، حسابيه، ماليه، سلطانيه، قد أزيدت فيها هاء السكت رعاية لفواصل الآيات المختومة بالتاء القصيرة والتي اقتضى السياق نطقها هاءً للتوافق:
وما زلنا عند الهاء، فتطلع إليها، وهي ضمير ملصق بالفواصل، غير زائد بل أصلي الورود، وقد حقق بذلك وقعه في النفس، وجرسه في الأذن وقوته في امتلاك المشاعر، قال تعالى:
(يَوَدُّ المُجرِمُ لو يَفتدِي مِن عَذَابِ يومئذٍ بِبَنيهِ، وصاحِبَتهِ وأخَيهِ، وَفَصيلَتهِ الّتي تُؤيهِ، وَمَن في الأرضِ جميعاً ثُمَّ يُنجيهِ).
فلا زيادة في هذه الهاء، وهي ضمير في الفواصل كلها، وقد حققت صوتياً مناخ الانتباه، ورصد مواضع الاصغاء من النفس الإنسانية.
الثانية: وتتمثل بحذف حرف ما رعاية للبعد الصوتي، وعناية بالنسق القرآني كما في قوله تعالى:
(والفَجرِ، وليالٍ عشرٍ، والشَّفعِ والوترِ، والّيلِ إذا يَسرِ).
فقد حذفت الياء من يسري موافقة للفاصلة فيما يبدو مثله قوله تعالى: (فأمَّا الإنسانَ إذا ما ابتَلاهُ رَبُّهُ فأكرَمَهُ ونعَّمَهُ فَيَقولُ ربي أكرمنِ، وأمّا إذا ما ابتلاهُ فَقَدرَ عليه رِزقَهُ فيَقُولُ ربّي أهانَنِ).
فالياء من "اكرمن" و "أهانن" قد حذفت رعاية لهذا الملحظ، ولما في النون من الغنة عند الوقوف عليها فيما يبدو، ويظهر أن هذا الأمر مطرد في جملة من آيات القرآن الكريم في الفواصل ما في قوله تعالى: (لَكُم دِينُكُم وليَ دين).
الثالثة: وتتمثل في تأخير ما حقه التقديم، وتقديم ما حقه التأخير، زيادة في العناية بتركيب السياق، وتناسق الألفاظ، وترتيب الفواصل، كما في قوله تعالى: (فأوجَسَ في نفسهِ خيفةً مُّوسى). فتأخر الفاعل وحقه التقديم، وعليه يحمل تقديم هارون على موسى في قوله تعالى:
(فأُلقِيَ السّحرةُ سُجَداً قالوا ءَامَنّا بربِ هارونَ وموسى). فإن هارون وزير لموسى، وأهمية موسى سابقة له، وقدم هارون عليه رعاية لفواصل آيات السورة، إذا انتظمت على الألف والألف المقصورة في أغلبها، والله العالم.
من أجل تمييز الفاصلة، ومعرفتها صوتياً، علينا تتبع فواصل الآيات بالدقة والضبط، في تنقلها في القرآن عبر مسيرتها الإيقاعية.
قال إبراهيم بن عمر الجعبري (ت: 732 ه):
"لمعرفة الفواصل طريقان: توقيفي وقياسي. أما التوقيفي: فما ثبت أنه (ص) وقف عليه دائماً، تحققنا أنه فاصلة، وما وصله دائماً، تحققنا أنه ليس بفاصلة...
وأما القياسي فهو ما ألحق من المحتمل غير المنصوص بالمنصوص لمناسب، ولا محذور في ذلك، لأنه لا زيادة فيه ولا نقصان، والوقف على كل كلمة جائز، ووصل القرآن كله جائز، فاحتاج القياس إلى طريق تعرّفه، فنقول: فاصلة الآية كقرينة السجعة في النثر، وقافية البيت في الشعر، وما يذكر من عيوب القافية من اختلاف الحد والإشباع والتوجيه فليس بعيب في الفاصلة، وجاز الانتقال في الفاصلة، والقرينة، وقافية الأرجوزة بخلاف قافية القصيدة".
ومن هنا كان التنقل في فواصل القرآن، إذ لا يلتزم فيها الوقوف عند حرف معين في مواضع من السور، ويلتزمه في مواضع أخر، ويجمع بين الالتزام وعدمه في بعض السور، لأن الانتقال من الوقوف على حرف إلى الوقوف على حرف آخر، أو صيغة تعبيرية أخرى في فواصل القرآن، أمر مطرد وشائع، ونماذجه هائلة، كما أن الالتزام شائع أيضاً، والجمع بينهما واردٌ كذلك، ومن هنا تبرز ثلاثة ملامح على سبيل المثال:
الأول: جمع القرآن بين "تحشرون" و "العقاب" وهما مختلفان في حرف الفاصلة والزنة في قوله تعالى:
(واعلموا أنَّ اللهَ يحولُ بينَ المرءِ وقلبهِ وأنَّهُ إليه تُحشرون، واتَّقٌوا فتنةً لا تُصيبنَّ الّذينَ ظَلَموا مِنكُم خآصةً واعلموا أنَّ اللهَ شديدُ العِقاب).
الثاني: الوقوف عند حرف معين لا يتغير في الفاصلة كما في سور عدّة، ونماذج متعددة، فمن أمثلته عادة جملة من السور القصار، كالقدر، والعصر، والفيل، والليل، والكوثر، والاخلاص، والناس، وجملة من السور الوسطى كالأعلى والقمر، وفيها جميعاً مراعاة للمنهج الصوتي، والبعد الإيقاعي، ويتجلى النغم الصوتي المتميز بأبهى صوره، وأروع مظاهره في سورة القمر، إذ تختتم فيها الفاصلة بصوت الراء مردداً بين طرف اللسان وأول اللهاة مما يلي الأسنان.
الثالث: الوقوف عند حرف معين للفاصلة في بعض السور، والانتقال منه للوقوف عند حرف آخر للفاصلة في بعضها الآخر، وأمثلته متوافرة في جملة من سور القرآن، كالنبأ، والمرسلات، والنازعات، والتكوير، والانفطار، والمطففين، وانظر إلى قوله تعالى في سورة "عبس" وهي تواكب صوت الهاء في فواصل عدة آيات، ثم تنتقل إلى الراء الملحقة بالتاء القصيرة بعدها في آيات أخر:
(يَومَ يَفرُّ المَرءُ مِن أخيهِ، وأُمهُ وأبيهِ، وصاحِبتِهِ وبَنيهِ، لِكُلِ امرىء مِنهُم يَومئذٍ شأنٌ يُغنيهِ، وُجُوهٌ يومئذٍ مّسفرةٌ، ضاحِكةٌ مستبشرةٌ، وَوُجوهٌ يومئذٍ عليها غَبرةٌ، تَرهَقُها قَترةٌ، أُولئكَ هُمُ الكَفَرةُ الفَجَرةُ).
وقد لا يراد الملحظ الصوتي مجرداً عند الابعاد الأخرى في فواصل الآيات، فقد يجتمع في الفاصلة الغرض الفني بجنب الغرض الديني، فتودي الفاصلة غرضين في عمل مزدوج، فمن أبرز الصور الاجتماعية الهادفة في سورة البلد: آيات العقبة، وتفصيلات يوم القيامة، في تجاوز مظاهر الغل والقيد، ومراحل الفقر والجوع ليتم تجاوز العقبة الحقيقية في القيامة، ولا يتم ذلك إلا بتجاوز عقبات الظلم الاجتماعي وتخطي مخلفات العهد الجاهلي، واقتحام القيم التي عطلت الحياة الإنسانية عن مسيرتها في التحرر والانطلاق، وهي قيم قاتلة، وأعراف بالية نشأت عن الطغيان المتسلط، والتفاوت الطبقي المقيت، فالرق ضارب بأطنابه، والاستئثار شكل مجاعة بشرية جماعية، والقطيعة في الأرحام أنهكت الأيتام، والغنى اللامشروع فجّر سيلاً من الأوضار الاجتماعية تشكل رعيلاً سادراً من الأرامل والأيامى والمساكين، ممن ألصقهم الفقر بالتراب، أو لصقوا هم به من الفقر والضر والفاقة، فأحال ألوانهم كلونه، فهم يلتحفون التراب ويفترشونه، ولا يجدون غيره، حتى عادوا جزءاً منه، وعاد هو جزءاً من كيانهم، فمن التراب وعلى التراب وإلى التراب.
هذا المناخ المزري عقبات متراكمة، من فوقها عقبات متراكمة، وإزالة هذه العقبات تدريجياً هو الطريق إلى قفز تلك العقبة الكبرى وتجاوزها، في حياة قوله تعالى: (فَلا أقتَحَمَ العقبةَ، وما أدراكَ ما العقبةُ، فَكُّ رقبةٍ، أو إطعامٌ في يومٍ ذي مَسغَبَة، يَتيماً ذا مقربةٍ، أو مسكيناً ذا متربةٍ).
ما هذا الإيقاع المجلجل؟ وما هذه النبرات الصوتية الرتيبة؟ وما هذا النسق المتوازن؟ العقبة، رقبة، مسغبة، مقربة، متربة، أصداء صوتية متلاحقة، في زنة متقاربة، زادها السكت رنةً وتأثيراً ولطف تناغم، وسط شدة هائلة مرعبة، وخيفة من حدث نازل متوقع، فالاقتحام في مصاعبه ومكابدته، والعقبة في حراجتها والتوائها ومخاطرها، يتعانقان في موضع واحد، يوحي بالرهبة والفزع.
وإرادة التأنيب والتعنيف مع الحض والترجيح والتحبيب، في صيغة النفي وتقريره، والاستفهام وتهويله، حافز وأي حافز على معالجة هذه المخاوف الاجتماعية السائدة، ودرء هذه المشاكل العالقة في المجتمعات المتخلفة: السغب، اليتم، المسكنة، إنها آفات متطاولة تنخر في بنية الجسم الإنساني فتهدمه، واقتحامها بحزم يتركها وراء الإنسان مسافات مترامية، وذلك ما يهيء السبيل إلى تجاوز العقبة المترقبة الوقوع، في كل معانيها البيانية: حقيقية كانت أو مجازية.
إن ورود هذه الآيات في نسق صوتي متجانس، وصيغة إصلاحية هادفة، يضفي على الفاصلة القرآنية، جمالها المعهود، وحسها الإيقاعي الهادر، دون تطلع إلى تعبير مماثل أو مغاير، فهي تمتلك النفس، وتأخذ بالإحساس في نظام رتيب؛ فالحرية أولاً، والعطاء المغني ثانياً، بدءاً بالأرحام، وعطفاً على الآخرين، وفيها أخذ بملحظ القرابة والرحم، وحث على تقديم ذوي القربى من المعوزين على الأباعد في فك القيود، وعتق الرقاب، والاطعام بإحسان.
ظواهر الملحظ الصوتي في فواصل الآيات:
الملحظ الصوتي في فواصل الآيات القرآنية قائم على عدة ظواهر، نرصد منها أربع ظواهر:
الأولى: وتتمثل بزيادة حرف ما في الفاصلة وعناية للبعد الصوتي، وعناية بنسق البيان في سر اعتداله، ليؤثر في النفس تأثيره الحسّاس، فتشرئبّ الأعناق، وتتطلع الأفئدة حين يتواصل النغم بالنغم، ويتلاحم الإيقاع بالإيقاع، وأبرز مظاهر هذه الظاهرة ألف الاطلاق إن صح التعبير بالنسبة للقرآن، فقد ألحقت الألف في جملة من الآيات بأواخر بعض كلماتها، وكان حقها الفتح مطلقاً، دون مدّ الفتحة حتى تكون ألفاً، وانظر معي في سورة واحدة، إلى كل من قوله تعالى، وكأن ذلك معنيٌ بحد ذاته ومقصود إليه لا ريب.
وقال تعالى: (وتَظُنُّونَ باللهِ الظُنونا).
وقال تعالى: (فأضَلُّونا السَّبيلا).
وقال تعالى: (وأطَعنا الرَّسُولا).
يبدو أن إلحاق هذه الألف في "الظنون" "السبيل" "الرسول" يشكل تلقائياً ظاهرة صوتية تدعو إلى التأمل، وإلا فما يضير الفتح لولا الملحظ الصوتي "لأن فواصل هذه السورة منقلبة عن تنوين في الوقف، فزيد على النون ألف لتساوي المقاطع، وتناسب نهايات الفواصل".
وما يقال هنا يقال فيما ورد بسورة القارعة في زيادة هاء السكت وإلحاقها في "هي" لتوافق الفاصلة الأولى الثانية في قوله تعالى: (وَمَآ أدراكَ ما هِية، نَارٌ حامِيةٌ).
وهيا إلى سورة الحاقة وانظر إلى هاء "السكت" في إضافتها وإنارتها في جملة من آياتها، فتقف خاشعاً مبهوراً، تمتلك هزة من الأعماق وأنت مأخوذ بهذا الوضع الموسيقي الحزين، المنبعث من أقصى الصدر وأواخر الحلق، فتتقطع الأنفاس، وتتهجد العواطف، واجمة، متفكرة، متطلعة، فتصافح المناخ النفسي المتفائل حيناً، والمتشائم حيناً آخر، وأنت فيما بينهما بحالة متأرجحة بين اليأس والرجاء، والأمل والفزع، والخشية والتوقع، فسبحان الله العظيم حيث يقول:
(يَومئذٍ تعُرَضَونَ لا تَخفَى مِنكُم خافيةٌ، فأمّا مَن أُوتيَ كتابَهُ بِيَمينهِ فَيقولُ هآؤُم اقرءُوا كِتَابيه، إنّي ظَنَنتُ أنّي مُلاقَ حِسابيه، فَهُو في عِيشةٍ راضيةٍ، في جنَّةٍ عاليةٍ، قُطُوفُها دانيةٌ، كُلُوا واشربوا هنيئاً بِمآ أسلَفتُم في الأيامِ الخاليةِ، وأمّا مَن أُوتيَ كِتابَهُ بشماله فَيَقولُ ياليتَني لَم أُوتَ كِتابيَه، وَلَم أَدرِ ما حِسابيَه، ياليتَها كانتِ القاضيةَ، مآ أَغنى عَني مَاليه، هَلَكَ عَني سُلطانيَه).
فأنت تلاحظ الفواصل: كتابيه، حسابيه، كتابيه، حسابيه، ماليه، سلطانيه، قد أزيدت فيها هاء السكت رعاية لفواصل الآيات المختومة بالتاء القصيرة والتي اقتضى السياق نطقها هاءً للتوافق:
وما زلنا عند الهاء، فتطلع إليها، وهي ضمير ملصق بالفواصل، غير زائد بل أصلي الورود، وقد حقق بذلك وقعه في النفس، وجرسه في الأذن وقوته في امتلاك المشاعر، قال تعالى:
(يَوَدُّ المُجرِمُ لو يَفتدِي مِن عَذَابِ يومئذٍ بِبَنيهِ، وصاحِبَتهِ وأخَيهِ، وَفَصيلَتهِ الّتي تُؤيهِ، وَمَن في الأرضِ جميعاً ثُمَّ يُنجيهِ).
فلا زيادة في هذه الهاء، وهي ضمير في الفواصل كلها، وقد حققت صوتياً مناخ الانتباه، ورصد مواضع الاصغاء من النفس الإنسانية.
الثانية: وتتمثل بحذف حرف ما رعاية للبعد الصوتي، وعناية بالنسق القرآني كما في قوله تعالى:
(والفَجرِ، وليالٍ عشرٍ، والشَّفعِ والوترِ، والّيلِ إذا يَسرِ).
فقد حذفت الياء من يسري موافقة للفاصلة فيما يبدو مثله قوله تعالى: (فأمَّا الإنسانَ إذا ما ابتَلاهُ رَبُّهُ فأكرَمَهُ ونعَّمَهُ فَيَقولُ ربي أكرمنِ، وأمّا إذا ما ابتلاهُ فَقَدرَ عليه رِزقَهُ فيَقُولُ ربّي أهانَنِ).
فالياء من "اكرمن" و "أهانن" قد حذفت رعاية لهذا الملحظ، ولما في النون من الغنة عند الوقوف عليها فيما يبدو، ويظهر أن هذا الأمر مطرد في جملة من آيات القرآن الكريم في الفواصل ما في قوله تعالى: (لَكُم دِينُكُم وليَ دين).
الثالثة: وتتمثل في تأخير ما حقه التقديم، وتقديم ما حقه التأخير، زيادة في العناية بتركيب السياق، وتناسق الألفاظ، وترتيب الفواصل، كما في قوله تعالى: (فأوجَسَ في نفسهِ خيفةً مُّوسى). فتأخر الفاعل وحقه التقديم، وعليه يحمل تقديم هارون على موسى في قوله تعالى:
(فأُلقِيَ السّحرةُ سُجَداً قالوا ءَامَنّا بربِ هارونَ وموسى). فإن هارون وزير لموسى، وأهمية موسى سابقة له، وقدم هارون عليه رعاية لفواصل آيات السورة، إذا انتظمت على الألف والألف المقصورة في أغلبها، والله العالم.